محمود بن حمزة الكرماني
47
اسرار التكرار في القرآن
موضوع دراسة وبحث عن أسباب تحول الري إلى جفاف ، والخصب إلى قفر والعمران إلى خراب ، كما أشارت إليه الآية التاسعة من سورة الأنعام ما دام الأمر هكذا فإن الأمر يحتاج إلى دراسة وبحث يقوم على العلم والتحليل ، وتسجيل الأسباب والنتائج ، ومخاطبة العالم كله بهذه الدراسات الهادفة . وكما قال الكرماني في كتابه هذا : « أمروا باستقراء الديار ، وتأمل الآثار ، وفيها كثرة ، فيقع ذلك سيرا بعد سير وزمانا بعد زمان ، ليعلم أن السير مأمور به على حدة ، والنظر مأمور به على حدة ، ولم يتقدم في سائر السور مثله » . والعجب العجاب من أمر تكرار القرآن وما يتراءى خلاله من إعجاز آيتان ، إحداهما من سورة الأنعام : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ « 1 » ، وقوله في سورة القلم : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ « 2 » ، فأكثر ما يستعمل وزن ( أفعل ) في لغة العرب مع الفعل الماضي ، كقولهم : أعلم من دب ودرج ، وأحسن من قام وقعد ، وأفضل من حج واعتمر . فلما ذا استعمل مع الفعل المضارع في سورة الأنعام ولم يستعمله مع الماضي كما في سورة القلم ، وكما هو الغالب في لغة العرب . ولما ذا الباء في آية ( القلم ) ، وحذفت في آية الأنعام ؟ أما استعمال ( أفعل ) مع المضارع في الأنعام فلأن سياق الكلام دائر حول المستقبل لبيان أصل عام ، وماض إلى الأبد ، في شأن الرأي العام ، أو رأى ( الجماهير ) فيما يتصل بالعقيدة وشؤون الدين بوجه خاص ، فالآية السابقة على آية الأنعام هي قوله تعالى : وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ « 3 » . بخلاف ما في سورة القلم ، فإن الكلام فيها عن قوم ضلوا بالفعل ، هم الكافرون من قريش : فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ . بِأَيِّكُمُ
--> ( 1 ) سورة الأنعام : 117 . ( 2 ) سورة النجم : 30 . ( 3 ) سورة الأنعام : 116 .